13 مايو 2020 In Décentralisation

قراءة في مسألة إحداث الجماعات التـرابية على ضوء دستور 2011

قد تبدو مسألة النقاش حول إحداث الجماعات الترابية بالمغرب من النقاط التي لم تثر إشكالا قانونيا حقيقيا في اللامركزية المغربية، بحيث لم يكن الموضوع محط اختلاف أو تساؤل في النظام القانوني السابق لصدور دستور 2011 و للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية الصادرة في سنة 2015، خاصة و أن الدساتير المغربية السابقة أجمعت على عدم تحديد أي مسطرة قانونية لإحداث الجماعات المحلية سابقا، و اكتفت بإحداث أنواعها دستوريا ومنح القانون صلاحية إحداث كل نوع جديد منها، و هو ما خول إحداث كل جماعة ترابية من أي نوع من الأنواع الثلاث (الجهة و العمالة و الإقليم و الجماعة) بموجب مرسوم.

 

إلا أن مجموعة من المعطيات الجديدة، وعلى رأسها مقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالجماعات الترابية، تثير مجموعة من الملاحظات والتساؤلات التي تفرض إعادة النظر في هذا الموضوع من خلال إعادة طرح السؤال الأولي المتعلق بالآلية القانونية لإحداث الجماعات الترابية. و نعني بإحداث الجماعة الترابية إحداث كل جماعة ترابية على حدة (وليس إحداث أنواع الجماعات الترابية)و كذا كل ما يوازي عملية الإحداث من تحديد للإسم وتغيير للحدود ودمج للجماعات الترابية وحذفها إلخ….

 

و رغم أن القانون رقم 131.12 قد أجاب من وجهة نظر المشرع المغربي عن التساؤل المتعلق بإحداث الجهات و بإحداث العمالات والأقاليم وبإحداث الجماعات سواء بشكل مباشر من خلال المادة 7 منه التي تنص على أنه ”تحدث الجماعات وتحدد تسميتها بمرسوم يتخذ باقتراح من وزير الداخلية” ، أو بشكل غير مباشر من خلال مقتضيات المادة 3 التي تنص على أنه ”يحدد بمرسوم، باقتراح من وزير الداخلية، عدد الجهات و تسمياتها و مراكزها والعمالات والأقاليم المكونة لنفوذها الترابي” ، فإن هذه الإجابة التشريعية تحتاج في نظرنا إلى التمحيص والتدقيق والبحث على ضوء مقتضيات دستور 2011مع مقارنته بالدساتير المغربية السابقة من جهة، و مع التجربة الفرنسية في ظل دستور 1958 ، باعتبارها الأقرب إلى التجربة المغربية في مجال اللامركزية.

 

إن البحث في التساؤل حول الآلية القانونية الدستورية (بمعنى المطابقة للدستور) بهدف وضع استنتاجات مؤسسة يقتضي إحاطة شاملة ومتعددة الجوانب بمسألة إحداث الجماعات الترابية من خلال مقترب مقارناتي سواء بين الدساتير السابقة ودستور 2011 أو بين الدساتير المغربية والدستور الفرنسي باعتبار تشابه التجربتين وذلك قبل صياغة استنتاجاتنا حول الموضوع.

 الجهة التي يمنحها الدستور اختصاص إحداث الجماعات الترابية

لم يرد في الدستورين المغربين لسنة 1996 و 201 أو الفرنسي  لسنة 1958 أي إشارة صريحة لاختصاص إحداث الجماعات الترابية، لكن هذه النصوص الدستورية الثلاثة تتفق على تحديد أنواع الجماعات الترابية دستوريا، مع منح إمكانية إحداث أي نوع جديد منها للقانون ( الفصل 100 من دستور 1996 و الفصل72 من الدستور الفرنسي لسنة1958 و الفصل 135 من دستور 2011)، و من الواضح في هذه المواد أنها لا تحدث كل جماعة ترابية على حدة كشخص معنوي مستقل، و إنما الأشكال التي يمكن في إطارها إحداث هذه الأشخاص المعنوية العامة.

في المقابل يلفت دستور 2011 الانتباه بنصه في الفصل 71 منه على أنه يدخل ضمن اختصاص التشريع ”إحداث المؤسسات العمومية و كذلك كل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام”، كما يعرف نفس الدستور في المادة 135 الجماعات الترابية باعتبارها ”أشخاصا اعتبارية خاضعة للقانون العام”.

علاوة على ذلك، نص نفس الفصل على اختصاص التشريع في مجال نظام الجماعات الترابية ومبادئ تحديد دوائرها الترابية، وهو الفصل الذي استند عليه المشرع المغربي لإصدار القانون رقم12-131 المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية للجماعات الترابية والذي يتضمن تحديدا للجهة المختصة في إحداث الجماعات الترابية كل واحدة على حدة، وهو ما سيكون موضوع تقييمنا في نهاية هذا المقال .

و يتضح من خلال قراءة هذه المقتضيات الدستورية أنه لا يرد اختصاص إحداث الجماعات الترابية صراحة ضمن اختصاص القانون في دستور 1996 أو في الدستور الفرنسي لسنة 1958، وهو ما جعله يدخل مبدئيا ضمن المجال التنظيمي بناء على مقتضيات المادة47 من الدستور المغربي المذكور[1]، وهي نفس مقتضيات المادة37 من الدستور الفرنسي لسنة 1958[2]، في المقابل فإن الدستور الجديد للمملكة لسنة 2011تميز بإدراجه لاختصاص إحداث ”كل شخص معنوي عام”ضمن مجال القانون، بحيث يصبح، من حيث المبدأ على ضوء هذا المقتضى الدستوري، إحداث كل جماعة ترابية على حدة يدخل في مجال التشريع، ما دامت كل جماعة ترابية (أي كل جماعة و كل إقليم وكل عمالة وكل جهة) هي شخصية معنوية مستقلة وقائمة بذاتها وخاضعة للقانون العام، طبقا للمقتضيات الصريحة للفصل 135 من دستور 2011 التي تعتبر الجماعات الترابية شخصا اعتباريا خاضعا للقانون العام.

و من المهم في هذا الصدد الإشارة إلى أن نص دستور 2011 على أنه يدخل في اختصاص التشريع إحداث ”كل مؤسسة عمومية” و ”كل شخص معنوي” من أشخاص القانون العام يختلف في مقتربه عن توجه الدستور الفرنسي مثلا في الفصل 34 منه في نصه على اختصاص التشريع في خلق ”أنواع المؤسسات العمومية” categories des établissements publics ، و هذا ما عكسه الاختلاف الجوهري في اجتهاد المجلس الدستوري المغربي سابقا والمجلس الدستوري الفرنسي حول مسألة إحداث المؤسسات العمومية؛ فمن جهة شدد المجلس الدستوري المغربي في قراره رقم99/280 بمناسبة بثه في الملف رقم 99/447 على أن إنشاء كل مؤسسة عمومية و تحديد حدودها الترابية التي تمارس فيها اختصاصاتها وامتيازات السلطة العامة يدخل في اختصاص التشريع، بالقول:

  “وحيث إن الدستور ينص في الفصل 46 منه على أن اختصاص السلطة التشريعية يشمل، من بين ما يشمله، إحداث المؤسسات العمومية ؛وحيث إن إحداث المؤسسات العمومية يندرج فيه تحديد مقوماتها الأساسية ومن جملتها بيان الرقعة الجغرافية التي تمارس فيها كل مؤسسة صلاحيتها وتتمتع داخله ، عند الاقتضاء، بامتيازات من قبيل ما هو مخول للسلطة العمومية”

في المقابل، أكد القضاء الدستوري الفرنسي عمومية تعبير المادة 34 من الدستور الفرنسي، بحيث إذا كان الأمر يتعلق بإحداث مؤسسة عمومية تم تحديد شكلها وطريقة عملها وسلطة الرقابة عليها سابقا من طرف القانون، فإن مرسوما يكون كافيا في هذه الحالة[3] لإحداث المؤسسة العمومية دون الحاجة إلى تدخل التشريع.

و يتضح جليا من مقتضيات الدستور المغربي لسنة 2011 على ضوء قراري المجلسين الدستوريين أن إحداث الجماعات الترابية باعتبارها إحدى أشخاص القانون العام و في غياب مقتضى خاص بإحداثها، يدخل من حيث المبدأ ضمن اختصاص التشريع.

[1]المادة 47 من دستور 1996: ” إن المواد الأخرى التي لا يشملها اختصاص القانون يختص بها المجال التنظيمي”

[2]Art 37 de la constitution française de 1958 : ‘’Les matières autres que celles qui sont du domaine de la loi ont un caractère réglementaire’’

[3]Cc n° 79-108 du 25 juillet 1979 ; n° 79-109 du 13 septembre 1979; n° 82-122 L du 25 mars 1982; n87-150 L du 17 mars 1987; n° 2000-439DC du 16 janvier 2000 etc…

نحو إعادة مقاربة موضوع إحداث الجماعات الترابية في نظام اللامركزية بالمغرب.

إن قراءة التجربتين الفرنسية والمغربية والاستنتاجات المرتبطة بها على ضوء دستور 2011 والمستجدات التي أوردها في ما يتعلق بإحداث الأشخاص الاعتبارية الخاضعة للقانون العام بمقتضى المادة 71 منه كما رأينا تفرض ضرورة إعادة طرح التساؤل حول الطريقة الدستورية لإحداث الجماعات الترابية التي ينبغي للتشريع المغربي مراعاتها.

فإذا كانت الدساتير والقوانين السابقة لدستور 2011 لا تطرح إشكالية على اعتبار أنها لم تحدد الآلية القانونية المختصة لإحداث الجماعات الترابية وبالتالي خولت إحداث هذه الأخيرة بمقتضى الآلية التنظيمية (المرسوم)، فإن الصيغة التي ورد بها الفصل 71 من دستور 2011 تجعل إحداث الجماعات الترابية من خلال المرسوم مسألة تقتضي إعادة النظر، على اعتبار أن الفصل المذكور يمنح سلطة إحداث كل شخص خاضع للقانون العام للتشريع، و صيغة “كل” تفيد الإشارة إلى إحداث كل شخص على حدة، بحيث إن اعتبار كل جماعة ترابية هي شخص معنوي مستقل خاضع للقانون العام، يجعل إحداث كل جماعة ترابية على حدة يدخل في مجال القانون، وهذا ما لا يستقيم معه دستوريا منح المرسوم اختصاص “إحداث” أي من إحدى الجماعات الترابية باعتبار هذه الأخيرة أشخاصا معنوية مستقلة الواحدة عن الأخرى وتخضع للقانون العام، ويتوجب بالتالي إحداثها بقانون.

إن هذا الاستنتاج يضع دون شك القانون رقم 12-131 موضوع مساءلة من حيث مدى دستورية منحه اختصاص إحداث الجماعات بشكل صريح للمرسوم و منح المرسوم بالنسبة للجهات وللعمالات والأقاليم كذلك صلاحيات تؤدي في نهاية المطاف، كما رأينا، إلى إحداث أو حذف هذه الجماعات الترابية.

و إذا كانت قراءة المادة 71 من الدستور المغربي لسنة 2011 تفيد اختصاص التشريع في خلق الجماعات الترابية، فإن ذلك من الناحية العملية من شأنه إنتاج صعوبات لمواكبة تطور التقسيم الترابي للمملكة وخاصة بالنسبة للجماعات، و هو ما يقتضي إيجاد تقنية قانونية تضمن احترام الدستور من جهة و تتجاوز هذه الصعوبات المادية من جهة أخرى.

 و يمكن في هذا الصدد اقتراح تقنيتين قانونيتين ممكنتين كالتالي:

أولا: اعتبار أن الجماعات الترابية قائمة حاليا و لا حاجة لإحداثها: و هو نفس المقترب المعتمد في التجربة الفرنسية، إذ يمكن اعتبار مثلا أن الجهات منشأة من خلال المادة الأولى من قانون الجهة السابق، وأن العمالات والأقاليم محدثة من خلال مراسيم التقطيع الترابي، مادامت هذه المسطرة لم تكن مخالفة للمقتضيات الدستورية آنذاك، مما لا تحتاج معه لتصرف قانوني منشأ لها، ويكون من الممكن إصدار القوانين المنظمة لهذه الجماعات مباشرة دون الحاجة إلى إحداثها. و أما تغيير حدود هذه الجماعات الترابية، فإن تفسير المادة 71 في الدستور الحالي وفق نفس منهج تفسير المجلس الدستوري المغربي للمادة 46 من الدستور المغربي السابق في قراره  رقم 99/447 الذي عرضنا له سابقا، يفيد أن “إحداث كل شخص عمومي يعني كذلك بيان الرقعة الجغرافية التي يمارس فيها صلاحياته ويتمتع داخلها بامتيازات من قبيل ما هو مخول للسلطة العامة” و هذا ما يفترض أن تغيير هذه الرقعة الجغرافية يكون كذلك بقانون عملا بمبدأ توازي الشكليات.

وتفترض هذه التقنية استقرارا في التنظيم الترابي للمملكة على شاكلته الآنية، كما تفترض استقرار التقطيع و الحدود على الأقل على المستوى المتوسط، كما ستسمح هذه التقنية بالاحترام التام لمقتضيات الدستور.

ثانيا: اعتبار أن الأمر يتعلق بنظام جديد تماما للامركزية و جماعات ترابية تحدث لأول مرة

يتطلب إحداث الجماعات الترابية في هذه الحالة اعتماد التشريع  لإحداث كل جماعة ترابية على حدة، بحيث يجب أن ينص القانون المحدث لها على أعدادها و تسمياتها ومجالها الجغرافي، لكن هذه التقنية وإن كانت إيجابية في حالة الجهة بالنظر إلى محدودية أعدادها استقراره، فإنها تصطدم في حالة العمالات والأقاليم والجماعات مع أعدادها الكبيرة ومع قابليتها للتغيير المستمر -و خاصة منها الجماعات-وهو ما يفرض التفكير في آلية أخرى تضمن إحداث هذه الجماعات بقانون احتراما للمقتضيات الدستورية دون أن تعرقل قابليتها للتغيير والتعديل.

و يمكن في هذا الإطار تبني ما يمكن تسميته ”الإحداث التلقائي وبقوة القانون” لهذه الشخصيات المعنوية مع تحديد شروط ذلك، بحيث إذا توفرت هذه الشروط تنشا قانونا وتلقائيا الشخصية المعنوية للجماعة الترابية، على أن يكون الإعلان عن توفر هذه الشروط أو معاينتها مرتبطا بآلية أدنى من القانون، كالمرسوم مثلا.

كما يمكن، إذا ما تم تجاوز التفسير الضيق للإحداث باعتباره يتضمن كذلك تحديد الحدود حسب اجتهاد المجلس الدستوري سابقا، أن يتم النص على إحداث الشخصية المعنوية للجماعات الترابية ضمن الحدود المحددة بمرسوم، ويكون تغيير هذه الحدود كذلك بمرسوم مع اشتراط موافقة مجالس الجماعات أو العمالات والأقاليم المعنية أو باقتراح منها، وذلك ضمانا لحد أدنى من الاستقرار والتوافق حول الموضوع.

لا شك أن مختلف الجوانب التي تناولتها هذه الورقة تحث على إعادة التفكير في موضوع إحداث الجماعات الترابية باعتباره يطرح بشكل فعلي مجموعة من التساؤلات على ضوء تطور اللامركزية و كذا على ضوء المقتضيات الدستورية التي أصبحت تؤطرها حاليا.

Leave a Reply